الشيخ محمد الصادقي الطهراني

252

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

ثم « إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ » وان كان تلميحا بالكذب ، ولكنه كذب جاهل لا كذب متعمد ، فإنهم سألوا جاهلين كأن فيهم الكفائة فلما ذا هذه الخليفة ؟ فقد كذبوا قاصرين لا مقصرين ، وهكذا كذب يشمل العالمين أجمعين : ان يجهلوا كثيرا مما يعلمه رب العالمين ، فمنهم من يبرزه بسؤال وسواه كهولاء الملائكة ، ومنهم من لا يسأل كالرعيل الأعلى من النبيين . ثم ومن نقد الملائكة الخليفة الأرضية : « يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ » ومقابلتهم لهذا النقد بما لهم : « وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ » نعرف أن الشر كله يختصر في الإفساد والسفك ، والخير كله في التسبيح بالحمد والتقديس للّه ، فليكن صحيحا مصدّقا عند اللّه إلّا في الآخرين ، أن المعرفة هي القمة في الخير ، التي تنتج تسبيحا بالحمد وتقديسا أعلى وأحرى . فالإفساد في الأرض يشمل كل فساد فردي يفسد فاعله ، وجماعيّ يفسد مجتمعه ، نفسيا أم ماديا ، ومن أظهره جمعا بينها سفك الدماء فإنه جماع الإفساد . ولماذا تسبيح بالحمد وليس التسبيح وليس الحمد والتسبيح والحمد ؟ أقول : لأن تسبيحه فقط دون حمد نفي بلا إثبات ، والنفي ذريعة الإثبات ، والحمد دون تسبيح إثبات ناقص لأنه إثبات بحدود المعرفيات ووصف له تعالى بحدود « سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ » وكذلك التسبيح والحمد دون رباط ، حيث التسبيح ينفي والحمد لا يثبت ما يليق بساحته . فأما التسبيح بحمده ، فأن نحمده مسبحين منزهين لساحة قدسه عن إثباتياتنا المحدودة ، وإنما : عالم - ليس يجهل . قادر - ليس يعجز . موجود - ليس بمعدوم . . وهكذا في كافة صفاته الثبوتية ، ألّا نصفه في حدود أفكارنا بما نعرفه ونأنسه من صفات وإثباتات ، وإنما نسبحه بحمده : ننزهه في حمدنا إياه عما هو لزام حمدنا من حدود وتخيلات ، فإنما إثباتاتنا تنحو منحى نفي كل ما عندنا وفي عالمنا وحدود تصوراتنا وإدراكاتنا عن ساحة قدسه ، فالصفات